أبو الليث السمرقندي
109
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
والمقتصد الذي يطلب عيب غيره ، والظالم الذي هو مشغول في عيب غيره ولا يصلح عيب نفسه . وطريق خامس وعشرين ما روي عن أنس بن مالك - رضي اللّه عنه - عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم - في قوله تعالى : ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا إلى قوله : الْفَضْلُ الْكَبِيرُ قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « هؤلاء كلّهم في الجنّة . أمّا السّابق بالخيرات فإنّه يدخل الجنّة بغير حساب ، وأمّا المقتصد فإنّه يحاسب حسابا يسيرا ثمّ يدخل الجنّة ، وأمّا الظالم لنفسه فإنّه يحاسب حسابا شديدا ويحبس حبسا طويلا ثمّ يدخل الجنّة . فإذا دخلوا الجنّة قالوا : الحمد للّه الّذي أذهب عنّا الحزن إنّ ربّنا لغفور شكور » . وقد قيل غير هذا : إلا أنه يطول الكلام فيه . وفيما ذكرنا كفاية لمن عمل به . وأكثر الروايات أن الأصناف الثلاثة كلهم في الجنة مؤمنون ، وأول الآية وآخرها دليل على ذلك . فأما أول الآية فقوله عز وجل : ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا من عبادنا يعني : أعطينا الكتاب . فأخبر أنه أعطى الكتاب لهؤلاء الثلاثة . وقال في آخر الآية جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها [ النحل : 31 وغيرها ] فأشار إلى الأصناف الثلاثة بالآية الأولى ، حيث قال : ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ ، والأخرى حيث قال : يَدْخُلُونَها ولم يقل : يدخلانها . وفي الآية الأخرى دليل أن الأصناف الثلاثة هم يدخلون الجنة . وقال بعضهم : تأول قول ابن عباس الذي قاله في رواية أبي صالح : أن الظالم كافر يعني : كفر النعمة . ومعناه : فمنهم من كفر بهذه النعمة ، ولم يشكر اللّه عز وجل عليها . ومنهم مقتصد يعني : يشكر ويكفر . ومنهم سابق يعني : يشكر ولا يكفر . وروي عن كعب الأحبار أنه قيل له : ما منعك أن تسلم على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ؟ قال : كان أبي مكنني جميع التوراة إلا ورقات منعني أن أنظر فيها . فخرج أبي يوما لحاجة . فنظرت فيها فوجدت فيها نعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وأمته ، وأنه يجعلهم يوم القيامة ثلاثة أثلاث ثلث يدخلون الجنة بغير حساب . وثلث يحاسبون حسابا يسيرا ، ويدخلون الجنة بغير حساب ، وثلث تشفع لهم الملائكة والنبيون فأسلمت . وقلت : لعلّي أكون من الصنف الأول ، وإن لم أكن من الصنف الأول لعلّي أن أكون من الصنف الثاني أو من الصنف الثالث . فلما قرأت القرآن وجدتها في القرآن وهو قوله عز وجل : ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ إلى قوله : جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها الآية . فإن قيل : أيش الحكمة في ذكره الظالم ابتداء وتأخيره ذكر السابق قيل له : الحكمة فيه واللّه أعلم لكيلا يعجب السابق بنفسه ، ولا ييأس الظالم من رحمة اللّه عز وجل . ثم قال تعالى : بِإِذْنِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ يعني : الذي أورثهم من الكتاب واختارهم هو الفضل الكبير من اللّه تعالى . [ سورة فاطر ( 35 ) : الآيات 33 إلى 35 ] جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ ( 33 ) وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ( 34 ) الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ ( 35 )